سلاح الردع والقرار الحكيم
عندما وقعت عيناي على نبأ حصول المملكة العربية السعودية على صواريخ رياح الشرق ، كما أوردته صحيفتي الشرق الأوسط والقبس ، تملكني شعور عارم بالفخر والاعتزاز وغمرت نفسي السعادة والطمأنينة بأن هذه الصواريخ ستكون سلاحًا دفاعيًا فعالًا في أيد أمينة أرادت من وراء شرائها لهذا السلاح زيادة فرص السلام والاستقرار بإبعاد شبح الحرب الهوجاء عن أرض المقدسات ورفض منطق التهويل والتهديد علينا .
إن وجود مثل هذه الصواريخ في بلد اشتهر قادته ومسؤولوه بالحمكة والروية وبعد النظر لا يمكن أن تكون المبادرة في شن العدوان بل لمنع وقوعه وليس للقتل والدمار كما سارعت في وصفها الأبواق المشبوهة ، بل لتحول دون وقوع مثل تلك الأعمال الهمجية .
لقد كان لهذا البلد شهادة من الأعداء والأصدقاء على حد سواء بحكمة ساسته وانصرافهم إلى وضع كل إمكانياتهم الاقتصادية وكل ثقلهم السياسي والمعنوي لخدمة قضايا المسلمين ونصرتهم في مشارق الأرض ومغاربها .
وخاطبت نفسي مطمئنًا : إن المسؤولين في بلدنا لم يقدموا على هذه الخطوة الشجاعة إلا بعد دراسة مستفيضة وعمل كل الحسابات الدقيقة للفائدة المتوخاه من امتلاك هذه الصواريخ ومن دورها الرادع في حماية المقدسات الإسلامية وسكان العواصم العربية من غطرسة إسرائيل النووية وهجمات حكام طهران الهمجية وتهديدهم المستمر لنا .
لقد رأى القادة الساهرون على أمننا وسلامتنا كيف انتقلت حروب الشرق الأوسط من قتال على الحدود والجبهات بين جنود مختبئين في السهول والمرتفعات والمستنقعات لتصل إلى قلب العواصم والتجمعات السكانية لتقتل الأبرياء والمسالمين .
هذا التغيير المرعب الذي وصلته الحرب في استخدام سلاح الصواريخ ضد المدن لنقل الدمار والحرب إلى المدن المسالمة والعواصم بدلا من جبهات القتال التقليدية فتقتل المدنيين العزل ، بينما الجنود المدربين قابعون في استحكاماتهم ينتظرون النتائج ، هو الذي دفع بقادة هذا البلد لشراء سلاحًا مخيفًا في نتائجه ليردع العدوان ويمنع التمادي في القتل والدمار .
لقد تسنى لأولياء أمورنا ، أن يطلعوا بحكم ممارستهم السياسة على نتائج سياسة الرعب المتبادل التي نجحت في منع وقوع حرب إقليمية في أوروبا مدة ٤٣ سنة حتى الآن وفي منع نشوب حرب عالمية ثالثة على الرغم من وصول حالة التوتر الشديد في الحرب الباردة التي سادت العلاقات الدولية بين الشرق والغرب إلى ذروة تفاعلها خاصة بين قطبي النزاع العالمي : الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي !
لا شك أن تقابل الصواريخ النووية العابرة للقارات في هذا الجانب من الاتحاد السوفييتي أو ذلك الجانب من الولايات المتحدة وكذلك لدى حلفائهما في أوروبا هو الدافع الرئيسي لكل لقاء تم بين الطرفين وذلك على الرغم من العداء الشديد بينهما واختلافهما على المصالح والأيدولوجيات . كما أن تزايد فرص اللقاء بينهما وإبرام اتفاقيات نزع السلاح ماكانت ترى فرص النجاح أمامها لولا قيام مايسمى بتوازن الرعب .
ومع أن أوجه الشبه ، مقارنة بوسائل الدمار المرعبة سالفة الذكر بعيدة لكن الاستنتاج بأن القرار السعودي الشجاع بامتلاك أسلحة من نوع الصواريخ العابرة متوسطة المدى قد أدخل عنصرًا جديدًا على سياسة الدفاع السعودية يمكن اعتباره نقلة نوعية أكيدة . فيد القصاص السعودية سوف تكون أطول مدى وأكبر قدرة هذه المرة على ردع كل من يخطط للاعتداء على أمتنا مهما أبعدته عنا المسافات .
لقد طار صواب العدو الإسرائيلي عندما بلغته أنباء امتلاك السعودية صواريخ رياح الشرق ، وذلك لأنها تعرف أن هذا السلاح سيحمي عمان وبغداد ودمشق تمامًا مثلما سيحمي الرياض والأراضي المقدسة من غطرستها العسكرية . فالاعتداء علينا سيكون له رد من نفس النوع والمعيار الذي تعده لنا .
وطبيعي أن لا يهدأ لإسرائيل قرار وهي ترى أن المملكة العربية السعودية قد امتلكت سلاحًا له فعالية ردع استراتيجية عالية فانتقلت بقوتها من نطاق الأسلحة العادية التي لا يتجاوز تأثيرها بضعة عشرات من الكيلو مترات إلى نفس مدى الصاروخ الإسرائيلي أريحا ٢ الذي صنعته إسرائيل وأعلنت عنه لإيقاع الرعب والخوف في قلوب الشعب العربي ، معتقدة أنها ستتمكن في ظل صاروخها هذا من استمرار الدوس على كرامة العرب واستباحة حرماتهم وقتل وتشريد النساء والأطفال وذلك من دون رادع أو وازع .
إن وجود صواريخ رياح الشرق الأوسط التي أجد من المناسب تسميتها برياح السلام السعودية ، سوف يبطل مفعول صاروخ العدوان الإسرائيلي أريحا ويلغي حالة التفوق الإسرائيلي في هذا المجال ، فلن يكون له بعد ذلك من سبيل في تهديد العواصم العربية الأخرى .
ومن ناحية أخرى ، سوف يكون لوجود صواريخ رياح السلام في أيدي القوات السعودية مناسبة لإجراء أعمال البحث والتطوير عليها خلال العقد القادم وإدخال التعديلات الضرورية من قبل الخبراء السعوديين الذين قد يتوصلون مستقبلا إلى إيجاد الرؤوس النووية التي صممت هذه الصواريخ لحملها أساسا وذلك لمساواة توازن الرعب الذي يشكله صاروخ أريحا ضدنا على الرغم من اختلاف الهدف والنوايا. فشتان بين الهدف من أريحا والهدف من صواريخ السلام السعودية : إن الهدف الأساسي من شراء رياح السلام هو منع أريحا من التحليق في السماء العربية وإبطال نظرية العواصم المهددة .
ولم تكن ردة الفعل على القرار السعودي بإدخال هذا السلاح ضمن تسليح قواها العسكرية مقتصرة على العدو الصهيوني وحده بل تعدتها إلى حماتها الغربيين الذين أصابهم الذهول من جراء هذه الصفقة وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية .
إن امتلاك الجيش السعودي لهذه الصواريخ ، سيعيد إلى ذاكرة من نسوا أو تناسوا بأن أهل مهبط الوحي هم أحفاد من حملوا الرسالة إلى صقاع الدنيا ليزروا ظلماتها وينشروا الإسلام والسلام في ربوع المعمورة ، وأنهم لن يعجزوا اليوم عن الأخذ بأسباب التقدم العلمي والتقني وامتلاك وتطوير أحدث الاختراعات للاستفادة منها في ظل الأمن والأمان وتحت قيادة حكيمة مبادئها نشر المحبة والوئام .
وما يقض مضاجع الغرب وربيبته إسرائيل مما أصابهم بعد الذهول والمفاجأة ، امكانية التلاحم مستقبلا بين صواريخ درع السلام السعودية وقنبلة الإسلام النووية التي تسعى الدول الإسلامية إلى امتلاكها. وبهذا يحرم هؤلاء المتغطرسين من الهيمنة السائدة في الأجواء العربية والإسلامية وتؤخذ منهم المبادرة الاستراتيجية فتضعهم تحت رحمة درع السلام النووي الإسلامي .
ولكننا نطمئن الغرب وربيبته إسرائيل أن صواريخ السلام السعودية لن تكون أداة للعدوان والتهديد حتى لو تيسر تسليحها بالرؤوس النووية الإسلامية . فامتلاك هذه الصواريخ هو من باب إعداد القوة التي أمر الله بها عباده إذ يقول : " وأعدوا لهم ماستطعتم من قوة ومن رباط الخيل " .
ولم يعد خافيا على أحد أن مصادر الخوف الإسرائيلي من الصواريخ السعودية الجديدة هو وجود المصطلح نفسه القائم على الظلم والعدوان والذي أدى إلى قيام الكيان الصهيوني على الأرض العربية وقد أرسيت دعائمه على القتل والتشريد .
ومثل هذا الكيان العدواني لا يمكنه البقاء إلا في استمرار الحالة العدوانية نفسها . فلا يزال حتى اليوم يقتل ويدمر من دون تفريق بين الأطفال والنساء والرجال المسنين . يمارس التوسع على حساب شعوب المنطقة مستعملًا في ذلك شتى أساليب الحرب من برية وبحرية وجوية وأساليب الدس الخبيثة التي أشتهر بها .
وفي هذه الأثناء لا يتوقف الغرب عن التشبث فيما يسميه بحقوق الانسان ويدعي رفع لواء الدفاع عنها بينما لم تتوقف إسرائيل من انتهاك هذه الحقوق كل يوم صبح / مساء وذلك منذ أربعون عامًا دونما يرتفع صوت غربي أو أمريكي ليشجب ذلك ويوقف ربيبته عن ارتكاب المظالم في الأراضي المقدسة حيث يواجهها اليوم شباب في دبيع العمر يقذفونها بالحجارة ردًا على جميع أسلحة الدمار لديها . وما أخاف إسرائيل من هذه المواجهه الحجرية التي تقذف فيها سواعد الشباب والأطفال مايعرفونه عن حجارة سجيل التي رمتها طير الأبابيل على جيش أبرهة لتجرؤه على مجابهة بيت الله !
يبقى أن نشير إلى أن القرار السعودي في الحصول على هذا النوع من الأسلحة لم يتوقف عند عقبة المصدر كما كان يعتقد أعدائنا وأصدقائنا .. فحرية القرار التي يؤكد عليها قادتنا في كل مناسبة وعند كل فرصة دليل جديد على أن لا عوائق أمام إرادتنا الوطنية وأن طلب السلاح الرادع للبغي والتهديد ممكن ولو في الصين ! .
نشر المقال في مجلة الدفاع العدد ٧١ ذو الحجة ١٤٠٨ هـ *
Comments
Post a Comment